حيدر حب الله
445
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
الخصوصيّة الثانية : إنّه يوجد شاهد على الاختصاص بحالة الخبر الذي وصلني بطريق معتبر حسب تصوّري ، وهو كلمة « بلغه » ؛ فإنّ البلوغ خاصّ بذلك ؛ ولو بقرينة أنّ الإنسان لا يندفع نحو الفعل بعد البلوغ ( بلغه - فعمله ) ، إلا لو كان البلوغ بطريقٍ معتبر وعقلائي « 1 » ، واللغة العربيّة تميّز بين البلوغ والسماع . لكنّ هذه الخصوصيّة ضعيفة في مواجهة الإطلاق القائم ؛ وذلك أنّ البلوغ يعني الوصول ، وهو كما يشمل الوصول بخبرٍ صحيح يشمله بخبر ضعيف ، والاندفاع كان منشؤه الثواب المحتمل ومحفّزاته لا أصل بلوغ تكليف شرعي ، لأنّ قوّة المحتمل تؤثر في تحريك الإنسان في كثير من الأحيان ولو مع ضعف قوّة الاحتمال ، والخبر الضعيف لا يفقد احتمال الصدق . هذا فضلًا عن أنّ الرواية التامّة السند هنا - وهي صحيحة هشام بن سالم - فيها مرادَفة بين البلوغ والسماع من حيث مقارنة أصلها بذيلها ، ولا معنى لحصر السماع بالطرق المعتبرة ، فيفهم من البلوغ أنّه بمعنى مطلق الوصول والسماع ، خاصّة على مسلك حجيّة خبر الثقة ، إلا إذا قيل - تعليقاً على خبر هشام بن سالم - بأنّ كون البلوغ خاصّاً بالوصول المعتبر يصلح قرينةً متصلة في الرواية لتقييد إطلاق السماع ، دون العكس . وأمّا الاستشهاد بما في بعض المعاجم من أنّ العرب تقول : سمعٌ ولا بلغٌ ، بدعوى أنّه يميّز بين البلوغ والسماع « 2 » ، فهذا غير صحيح ؛ لأنّ المراد هنا أنّ العرب تقول لأمرٍ سمعوا عنه لكنّهم لم يقعوا فيه ولم ينزل بهم بأنّه سمعنا عنه لكنّه لم يبلغنا ولم ينزل بنا ولم نقع فيه ، وكذلك تقول للخبر الذي لا يعجبها : بلغٌ ، فكأنّها تريد أن تقول بأنّنا نأمل أن يكون سمعاً وليس خبراً سيئاً . يقول الفراهيدي : « قال الضرير : سمعت أبا عمرو يقول : البلغ ما يبلغك من الخبر
--> ( 1 ) انظر : محمد جواد فاضل لنكراني ، قاعدة تسامح در أدلّة سنن : 53 . ( 2 ) انظر : لسان العرب 8 : 420 .